المقريزي

197

إمتاع الأسماع

البعيد ( 1 ) . وقد كثرت الأحاديث الواردة في صفة الإسراء ، وتباينت كيفيته ، وجاء في بعضها : أن الإسراء كان بجسده [ صلى الله عليه وسلم ، وفي بعضها ، أن الإسراء كان

--> ( 1 ) المسجد الأقصى : هو المسجد المعروف ببيت المقدس الكائن . بإيلياء ، وهو المسجد الذي بناه سليمان عليه الصلاة والسلام . والأقصى : أي الأبعد ، والمراد بعده عن مكة ، بقرينة جعله نهاية الإسراء من المجسد الحرام ، وهو وصف كاشف اقتضاه هنا زيادة التنبيه على معجزة هذا الإسراء ، وكونه خارقا للعادة لكونه قطع مسافة طويلة في بعض ليلة . وبهذا الوصف الوارد له في القرآن صار مجموع الوصف والموصوف علما بالغلبة على مسجد بيت المقدس ، كما كان المسجد الحرام علما بالغلبة على مسجد مكة . وفي هذا الوصف بصيغة التفضيل ، باعتبار أصل وضعها معجزة خفية من معجزات القرآن ، إيماء إلى أنه سيكون بين المسجدين مسجد عظيم ، هو مسجد طيبة ، الذي هو قصي عن المسجد الحرام ، فيكون مسجد بيت المقدس أقصى منه حينئذ . فتكون الآية مشيرة إلى جميع المساجد الثلاثة المفضلة في الإسلام على جميع المساجد الإسلامية والتي بينها قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجد الحرام ، ومسجد الأقصى ، ومسجدي ) . والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد بناه إبراهيم عليه السلام ، كما ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم : ففي الصحيحين عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله ، أي مسجد وضع في الأرض أول : قال : المسجد الحرام ، قلت : ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى ، قلت : كم بينهما ؟ قال : أربعون سنة . فهذا الخبر قد بين أن المسجد الأقصى من بناء إبراهيم ، لأنه حدد بمدة هي من مدة حياة إبراهيم عليه السلام ، وقد قرن ذكره بذكر المسجد الحرام . وهذا مما أهمل أهل الكتاب ذكره ، وهو ما خص الله تعالى نبيه بمعرفته ، والتوراة تشهد له ، فقد جاء في سفر التكوين في الإصحاح الثاني عشر : أن إبراهيم لما دخل أرض كنعان [ وهي بلاد فلسطين ] ، نصب خيمته في الجبل شرقي بيت إيل [ بيت إيل مدينة على بعد أحد عشر ميلا من أورشليم إلى الشمال ، وهو بلد كان اسمه عند الفلسطينيين ( لوزا ) فسماه يعقوب : ( بيت إيل ، كما في الإصحاح الثامن والعشرين من سفر التكوين ] وغربي بلاد عاى [ مدينة عبرانية تعرف الآن ( الطيبة ) ] وبنى هنالك مذبحا للرب ( تفسير التحرير والتنوير ) : 15 / 16 ، ( العهد القديم ) : 45 ، سفر التكوين ، الإصحاح الثامن والعشرون ، عدد ( 19 ) .